أبو حامد الغزالي

100

تهافت الفلاسفة

شئ آخر ، والذي يدل على أن هذا عمل الوهم ، أنه مخصوص بالزمان والمكان ، فإن الخصم وإن اعتقد قدم الجسم يذعن وهمه لتقدير حدوثه ، ونحن وإن اعتقدنا حدوثه ، ربما أذعن وهمنا لتقدير قدمه ، هذا في الجسم ، فإذا رجعنا إلى الزمان لم يقدر الخصم على تقدير حدوث زمان لا « قبل » له - وخلاف « 1 » المعتقد يمكن وضعه في الوهم تقديرا وفرضا - وهذا « 2 » مما لا يمكن وضعه في الوهم ، كما في المكان « 3 » فإن من يعتقد تناهى الجسم ومن لا يعتقد ، كل واحد يعجز عن تقدير جسم ليس وراءه لا خلاء ولا ملاء ، بل لا يذعن وهمه لقبول ذلك ، ولكن قيل : صريح العقل إذا لم يمنع وجود جسم متناه بحكم الدليل ، لم يلتفت إلى الوهم ، فكذلك صريح العقل لا يمنع وجودا مفتتحا ليس قبله شئ ؛ وإن قصر الوهم عنه فلا يلتفت إليه ، لأن الوهم لما لم يألف جسما متناهيا إلا وبجنبه جسم آخر ، أو هواء تخيله خلاء ، لم يتمكن من ذلك في الغائب ؛ فكذلك لم يألف الوهم حادثا إلا بعد شئ آخر ، فكاع عن تقدير حادث ليس له « قبل » هو شئ موجود قد انقضى ، فهذا هو سبب الغلط ، والمقاومة حاصلة بهذه المعارضة .

--> ( 1 ) أي الشأن في كل معتقد أن خلافه يمكن وضعه في الوهم تقديرا وفرضا . ( 2 ) إشارة إلى خلاف معتقد الفيلسوف في الزمان . ( 3 ) كما أن معتقد الفيلسوف في المكان لا يمكن وضعه في الوهم ولم يمنع ذلك من اعتقاده جريا وراء العقل ، فكذلك خلاف معتقده في الزمان وإن لم يمكن وضعه في الوهم لكن العقل ساق إليه فيجب الأخذ به .